" ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون " ( البقرة : 185 ) .
حين شرع الله لعباده هذا التكبير فى الأذان وفى الصلاة وفى الأعياد ، ودعا المسلم إلى أن يهتف من كل قلبه فى كل يوم مرات كثيرة بهذا الهتاف العذب الجميل الخفيف على اللسان ، الثقيل فى الميزان : " الله أكبر الله أكبر " ، لم يكن ذلك عبثاً ولم يشرع سدى ، ولكن ليثبت فى نفوس المؤمنين لب عقائد هذا الدين ، فيؤمنوا أعمق الإيمان بأن الله أكبر .
الله أكبر من الأزمات النفسية التى تعترض حياة الأفراد ، فتضيق عليهم الأرض بما رحبت ، وتضيق عليهم أنفسهم ، وتبدو الدنيا فى أعينهم كحلقة خاتم لا تزداد طولاً ولا عرضاً ، فلا يفرج هذه الأزمات إلا الإيمان بأن الله أكبر .
الله أكبر من الشهوات العارضة التى يشيع بها الفساد فى الأرض ، ويضطرب بها نظام المجتمع ، وتنقطع بها صلات التراحم والتعاون والتواد بين الناس ، فلا يكبحها ولا يكفكف من حدتها إلا الإيمان بأن الله أكبر .
الله أكبر من طغيان الأقوياء حين يستبدون بالضعفاء ، فيسخرون منهم ويهزؤون بهم ، ويهونون عليهم لضعفهم ، ويسلبون حقوقهم لأنهم مطمئنون إلى عجزهم ، ويعتدون عليهم لأنهم آمنون من انتقامهم ، فلا يضع الأمر فى نصابه إلا الاعتقاد بأن الله أكبر " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين * ونمكن لهم فى الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " ( القصص : 5 – 6 ) .
أيها المسلمون ، يا من ترددون فى آذانكم وصلواتكم وأعيادكم " الله أكبر الله أكبر " ، لا تهنوا ولا تحزنوا ، ولا تيأسوا ولا تقنطوا ، ولا تضعفوا ولا تستكينوا ، فإن الأرض لله ليست لأمريكا ولا روسيا ولا إنجلترا ولا فرنسا ، يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، لا للغادرين ولا للمعتدين ولا للظالمين ولا للباغين بغير الحق ، فاطمئنوا إلى وعد الله الذى لا يخلف ، واعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، واستقيموا إليه واستغفروه ، وأجمعوا كلمتكم ، ووحدوا صفكم ، وتبينوا منهاجكم ، ونظموا عملكم ، ثم لا يهولنكم بعد ذلك أن تتألب دول الطغيان عليكم أو تتجمع قوتهم ضدكم " والله غالب على أمره ولكن كثير من الناس لا يعلمون " ( يوسف : 21 ) .
والآن وقد آذن شهر رمضان بالرحيل .. فماذا أنتم فاعلون ؟ أتهجرون المساجد ؟ أتودعون المعابد وتنصرفون إلى أندية الغفلة ومواطن العبث والضعف والذلة ؟ أم تقيمون على ما وفقتم إليه من الخيرات وإقام الصلوات وتلاوة الآيات والسخاء بالصدقات ؟ إن تكن الأولى فما أمر السلب بعد العطاء .. وما أقسى الغضب بعد الرضاء .
ولقد كان المسلمون المعاصرون يقرؤون تاريخ الأندلس ، فردوسنا المفقود ، فيقول بعضهم لبعض : ما أعظم تبعة مسلمى ذلك الزمان الماضى الذين قصروا وأهملوا فى حق إخوانهم الأندلسيين ، ولم يجدوا أو يجتهدوا فى استنقاذ هذ البقعة من أوطان المؤمنين حتى تبدلت الكفر بالإيمان والغلظة باللين ، وذاق أهلها بأيدى أعدائهم كأس الذلة والهوان ، وأخرجوا منها راغمين ، وشردوا فى الأرض مهاجرين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً ، ألا وإن أعجب من ذلك وأغرب وأقسى وأفظع أن تقتطع فلسطين العربية المسلمة من جسم أوطانكم ، وأن تقوم فيها – لا قدر الله – دولة يهودية تحت سمعكم وبصركم وأنتم تنظرون .
لا نسبة بين الموقعين ، فتلك أرض ربحناها ، ودولة نحن أقمناها بين دول الكفر المحيطة بها من كل مكان ، ثم غفلنا عن صونها وقعدنا عن تحصينها ، فعدت عليها عوادى الزمن ، وقضت على سلطاننا فيها الضغائن والإحن ، فلم نخسر بفقدها إلا بعض الربح ، وحالت بيننا وبين خصومنا أمواج البحر ، وقضى الأمر إلى حين ، وميراث الأرض للصالحين ، أما فلسطين فقلب أوطاننا وفلذة كبد أرضنا وديارنا ، وخلاصة رأس مالنا وحجر الزاوية فى جامعتنا وكياننا ، فكيف يتصور أن تكون وطناً لغيرنا ، أو تقوم فيها دولة وصفها القرآن بأنها أشد الناس عداوة لنا .
أيها المسلمون ، إن الأمر أخطر مما تتصورون ، وإن الخطب أفدح مما تظنون ، وليس يفيدنا بعد إذ تطورت الأمور إلى هذا الحد إلا أن نأخذها بمنتهى الحزم والصرامة والجد ، وإلى الأمم الإسلامية جميعاً والحكومات الإسلامية وإلى كل مسلم على ظهر الأرض أوجه القول .
تذكروا حساب الله ونقمة الأجيال ، ولعنة التاريخ ، ووجهوا كل جهودكم متحديث على قلب رجل واحد لشئ واحد ، هو كسب معركة الساعة ساعة الفصل ، وحينئذ يستطيع أن يقول بعضنا لبعض فى نشوة النصر ولذة الظفر : " كل عام وأنتم بخير " .
= = = = = = = = =
جريدة الإخوان المسلمين اليومية - السنة الثالثة - العدد 695 - ص4 - 1 شوال 1367 هـ / 6 أغسطس 1948 م |